فخر الدين الرازي
284
تفسير الرازي
يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . قال المبرد : يقال فاء يفيء إذا رجع ، وأفاءه الله إذا رده ، وقال الأزهري : الفيء ما رده الله على أهل دينه ، من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال ، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين ، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم ، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم ، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح ، ويتركوا الباقي ، فهذا المال هو الفيء ، وهو ما أفاء الله على المسلمين ، أي رده من الكفار إلى المسلمين ، وقوله : * ( منهم ) * أي من يهود بني النضير ، قوله : * ( فما أوجفتم ) * يقال : وجف الفرس والبعير يجف وجفاً ووجيفاً ، وهو سرعة السير ، وأوجفه صاحبه ، إذا حمله على السير السريع ، وقوله : * ( عليه ) * أي على ما أفاء الله ، وقوله : * ( من خيل ولا ركاب ) * الركاب ما يركب من الإبل ، واحدتها راحلة ، ولا واحد لها من لفظها ، والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ، ويسمون راكب الفرس فارساً ، ومعنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم ، فذكر الله الفرق بين الأمرين ، وهو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليها الخيل والركاب بخلاف الفيء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعباً ، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى الرسول يضعه حيث يشاء . ثم ههنا سؤال : وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً ، وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة الفيء ، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون ههنا وجهين الأول : أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل والركاب وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بل هو في فدك ، وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول عليه السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله ، ويجعل الباقي في السلاح والكراع ، فلما مات ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا ، فقال أبو بكر : أنت أعز الناس علي فقراً ، وأحبهم إلي غنى ، لكني لا أعرف صحة قولك ، ولا يجوز أن أحكم بذلك ، فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول عليه السلام ، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن ، فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول ، ويجعل ما يبقى في السلاح والكراع ، وكذلك عمر جعله في يد علي ليجريه على هذا المجرى ، ورد ذلك في آخر عهد عمر إلى عمر ، وقال : إن بنا غنى وبالمسلمين حاجة إليه ، وكان عثمان رضي الله عنه يجريه كذلك ، ثم صار إلى علي فكان يجريه هذا المجرى